أحمد بن علي القلقشندي
284
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يفسح لي التّعجّب من أبناء الزّمان لنقصهم أن أصحّح نقدا ولا وزنا ؛ أجنح لسلم الأيّام فكأنّي لحربها جنحت ، وأقدح فكرتي في استعطاف الزّمان فكأنّي فيه قد قدحت ؛ فلو قضى اللَّه لي بالمنية من المنيّة لأرحت الزّمان واسترحت : فالأرض تعلم أنّني متصرّف من فوقها وكأنني من تحتها ! ولا فرق فيما بيننا غير أنّنا بمسّ الأذى ندري ومن مات لا يدري ولا بدّ لي أن أطلَّق هذه الصّناعة طلاقا قطعيّا ، لا طلاقا رجعيّا ، وأجاهرها جهارا حربيّا لا جهارا عينيّا ، وأضع صعدة حملها من أدب عن بدني ، وأتولى قوس داله مع سهم بائها فما أصبت غير كبدي ؛ « كأنّما القوس منها موضع الوتر » ، و « وقلت اذهبي يا صبوتي بسلام » فماذا لقيت من آفاتها ، ومنيت به من الخوف في عرفاتها ، ومطرت لا من عوارض قطرها ولكن من عوارض مرجفاتها : وإنّي رأيت الحبّ في القلب والأذى إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب ! ومع هذا الحديث لم أشكّ أنّ أحدا سينتقد على تشبيهي ، وطرقه قديمة في استفتاح المكاتبة ، واستنجاح المخاطبة ، ويقول : تلك أمّة قد خلت ، ودولة فاضليّة أدبرت مثل ما أقبلت ؛ فكيف تبعها وترك طريقة فضلاء عصره ، وأبناء مصره ؛ فالجواب ما قاله القاضي السّعيد بن سناء الملك رحمه اللَّه تعالى ، فما كان أسعد خاطره ! ، وأكثر ذهب لفظه وجواهره ! ! : إنّي رأيت الشّمس ثم رأيتها ماذا عليّ إذا عشقت الأحسنا ؟ ! ( وذكرت أن الاس عدره ونسيت أن الاس أفعلها ) ( 1 ) . انتهت إلى هذا الموضع ، والدّيك قد نعى بعيد الظَّلام ، وبلَّغ عن
--> ( 1 ) في هامش الطبعة الأميرية أن هذه الجملة وردت هكذا في الأصول ، ولا معنى لها .